محمد متولي الشعراوي
1186
تفسير الشعراوي
ولكنه حين يعطينا صورة للشيطان أو لرأس الشيطان المميزة له ، كما أن رؤوسنا نحن هي التي تميزنا يتكلم سبحانه عن شجرة الزقوم فيقول جل شأنه : إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ( 65 ) ( سورة الصافات ) وشجرة الزقوم في الآخرة في النار ، إذن فنحن لا نراها ، ورؤوس الشياطين لا نراها ، فكيف يشبه اللّه ما لم نره بما لم نره ، يشبه شيئا مجهولا بشئ مجهول ؟ نقول : نعم ، وذلك أمر مقصود للإعجاز القرآني ؛ لأن للشيطان صورة متخيلة بشعة ، بدليل أنك لو طلبت من رسامى العالم في فن الكاريكاتير ، وقلت لهم : ارسموا لنا صورة الشيطان ، ولم تعطهم ملامح صورة محددة ، فكل منهم يرسم وفق تخيله كيانا غاية في القبح : فهذا يصوره بالقبح من ناحية ، وذاك يصوره بالقبح من ناحية أخرى بحيث لو جمعت الرسوم لما اتحد رسم مع رسم . إذن فكل واحد يستبشع صورة يرسمها . وساعة نعطى الجائزة لمن رسم صورة الشيطان أنعطى الجائزة لأجملهم صورة أم لأقبحهم صورة ؟ إننا نعطى الجائزة لصاحب أشد الصور قبحا . إذن فصورة الشيطان المتمثلة صورة بشعة قبيحة ، ولو جاء على صورة واحدة من القبح لاختلف الناس حول هذه الصورة فلعل هذا يكون قبحا عندك ولا يكون قبحا عند آخر ، ولكن حين يطلق اللّه أخيلة الناس في تصور القبح ، يكون القبح ماثلا وواضحا في عمل كل إنسان فتكون الصورة أكمل وأوفى ، فالأكمل والأوفى أن يكون القبح شائعا فيها جميعا . ويقول الحق : « الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ » الشيطان قلنا : إنه العاصي من الجن ، وقلنا : إن ربنا سبحانه وتعالى حكى لنا كثيرا أنّ الشياطين لهم التصاق واتصال بكثير من الإنس : وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً ( 6 ) ( سورة الجن )